ابن حجر العسقلاني
11
فتح الباري
عليكم أي تظنونه فرضا فيجب على من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد حل شئ أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به قال وقيل كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا واظب على شئ من أعمال البر واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم انتهى ولا يخفى بعد هذا الأخير فقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض وقال ابن بطال يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته فخشى أن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أمته في العبادة قال ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي من تركها بترك أتباعه صلى الله عليه وسلم وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت وقد أجاب عنه الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه صلى الله عليه وسلم وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها يعني عند المواظبة فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع قال وفيه احتمال آخر وهو أن الله فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم منه لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضا عليهم كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم ثم عاب الله عليهم التقصير فيها فقال فما رعوها حق رعايتها فخشى صلى الله عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك وقد تلقى هذين الجوابين من الخطابي جماعة من الشراح كابن الجوزي وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب الاقتداء بافعاله وفي كل من الامرين نزاع وأجاب الكرماني بان حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى لا يبدل القول لدى الأمن من نقص شئ من الخمس ولم يتعرض للزيادة انتهى لكن في ذكر التضعيف بقوله هن خمس وهن خمسون إشارة إلى عدم الزيادة أيضا لأن التضعيف لا ينقص عن العشر ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلا للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض وفيه نظر لأن قوله لا يبدل القول لدى خبر والنسخ لا يدخله على الراجح وليس هو كقوله مثلا لهم صوموا الدهر أبد ! فإنه يجوز فيه النسخ وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى أحدها يحتمل أن يكون المخوف إفتراض قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة التنفل بالليل ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم فمنعهم من التجميع في المسجد اشفاقا عليهم من اشتراطه وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم ثانيها يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان فلا يكون ذلك زائدا على الخمس بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها ثالثها يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة فقد وقع في حديث الباب أن ذلك كان في رمضان وفي رواية سفيان بن حسين خشيت أن يفرض